نذير حمدان

68

حكمة القرآن والحضارة

وعن مجاهد في قوله : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ ، قال : الكتاب يؤتي إصابته من يشاء « 1 » حتى إن تعليم القرآن هو تعليم الحكمة الواقية من العذاب حيث تتخذ الوسائل الحكيمة الحاجزة عن الهلاك والتدمير . فعن ثابت بن عجلان الأنصاري قال : يقال إن اللّه ليريد العذاب بأهل الأرض فإذا سمع تعليم الصّبيان الحكمة صرف ذلك عنهم ، قال مروان ( شيخ الدارمي ) يعني بالحكمة : القرآن « 1 » . - ويستوعب بعض العلماء أشهر معاني الحكمة ودلالاتها فيقول : الحكمة هي العدل والعلم والحكم والنّبوة والقرآن والإنجيل ، ووضع الشيء في موضعه ، وصواب الأمر وسداده ، وأفعال اللّه كذلك لأنه يتصرف بمقتضى الملك فيفعل ما يشاء وافق غرض العباد أو لا . وفي عرف العلماء : هي استعمال النفس الإنسانية باقتباس العلوم النظرية واكتساب الملكة التّامة على الأفعال الفاضلة قدر طاقتها . وقال بعضهم : الحكمة هي معرفة الحقائق على ما هي بقدر الاستطاعة ، وهي العلم النافع المعبّر عنه بمعرفة ما لها وما عليها المشار إليها بقوله تعالى : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ( البقرة 269 ) . وصرّح العلماء بوسطية الحكمة في الأمور بين الإفراط والتفريط . وإفراطها : الجربزة : وهي استعمال الفكر فيما لا ينبغي كالمتشابهات ، وعلى وجه لا ينبغي كمخالفة الشرائع . وتفريطها : الغباوة التي هي تعطيل القوة الفكرية والوقوف على اكتساب العلم ، وهذه الحكمة غير الحكمة التي هي العلم بالأمور التي وجودها من أفعالنا ، بل هي ملكة تصدر منها أفعال متوسطة بين أفعال الجربزة والبلاهة .

--> ( 1 ) الدارمي : فضائل القرآن 2 / 234 - 239 .